اللواء المتقاعد الخوالده يرعى احتفالا تأكيداً لمواقف الملك تجاه القدس .. مصور الشناق رئيسا لاتحاد الجمعيات الخيرية في اربد عشيرة العرموطي" تقيم مهرجان حاشد بحي نزال دعما وتاييدا لمواقف الملك تجاه القدس والمقدسات محاضرة في جامعة جدارا حول الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية وفاة طفل بحريق منزل عجلون اجواء حارة نسبيا اليوم جامعة جدارا تختتم فعاليات المؤتمر الدولي الخامس لكلية الآداب واللغات الطويسي يرعى افتتاح المؤتمر الدولي الخامس لكلية الآداب في جامعة جدارا وفاة شخص اثر تدهور باص في اربد العاصمة: ضبط مركبتين كان سائقهما يتسابقان بصورة متهورة المومني يترأس اجتماعات اللجنة العربية الدائمة في القاهرة بني يونس يشارك بفعاليات اليوم العلمي بجامعة جدارا القطامين يحاضر في جامعة جدارا المقدادي يحصل على شهادة الدكتوراة "الوصايةُ الهاشميةُ على المقدساتِ الاسلاميةِ والمسيحيةِ والأماكن المقدسة" .. بقلم: المحامي ادم المراشده

القسم : اقلام واراء
تاريخ النشر : 11/03/2019 11:04:24 AM
المعابرة يكتب : حاكِم، جلَّاد!
المعابرة يكتب : حاكِم، جلَّاد!
وليد معابرة - 

أمَّا قبل؛ فقد وَرَد عن الرسول صلى الله عليه وسلم حديث، يقول فيه: "صِنفانِ من أَهلِ النَّار لَمْ أَرَهُمَا بَعد: قومٌ معهم سِيَاط كأَذنابِ البَقر يَضربونَ بِها النَّاس، ونِساءٌ كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهنَّ كأَسنِمةِ البُختِ المائِلة، لا يَدخُلْنَ الجنَّةَ، ولا يجدنَ ريحها، وإِنَّ ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا"… ، أو كما قالَ صَدق.

لا أريد أنْ أُسقِط مَتنَ الحديث أومعناه على ما ينبثق عن مفهوم اللعبة الشعبية المعروفة باسم "حاكم، جلَّاد"؛ ولكنَّني أريد أنْ أُنوِّه عن مفهومٍ عميقٍ لّمْ ينتبه إليه معظم البشر؛ وهو أَنَّ ذلك الحديث يُعَدُّ الوحيد، وقد يكون الأَوحد الذي يجمع نوعين من الفساد في نَصٍّ واحد: "الفساد السياسي" و"الفساد الأَخلاقي"، فمِن هُنا أَكاد أُجزم أَنَّ هناك إِشارة مُحمَّديَّة عظيمة تقودنا إلى مفهومٍ فلسفيٍ؛ أتجرأُ أَنْ أَقولَ فيه: إِنَّه لَم ينتشر الفساد السياسي؛ إلا بعد أَنْ اضمحلَّت الأخلاق، كما إنَّه لَم ينتشر الباطلُ؛ إلا بسكوتِ الحقِّ عنه.

أَمَّا بَعد، فقبل أَنْ أَقصَّ عليكم حكايتي مع تلك اللعبة القذرة؛ لا بُدَّ من الاستطراد أولاً إلى مفهومها، وكيفيَّة ممارستها، فهي لعبةٌ من ذاكرة التراث الشعبي، وهي -في أَصلها، وقبل أَنْ تتحوَّر أساليبها وتَتَقَذَّر خطواتها- لعبةٌ تحقق العدالة بشكلٍ واضح، فقد كان دور "المُفتِشِ" فيها يتمحوَر حول اكتشاف "اللص"، وكان دور "الحاكِمِ" هو الحُكمُ على ذلك "اللص" في حالة تحديده من قبل المُفتِش، أو الحُكمُ على "المُفتِشِ" الذي لم يستطع تحديد "اللص" واكتشافِ هَويَّته، بمعنىً آخر: إنَّها لعبة تغرسُ مفاهيمَ أخلاقية وقيماً اجتماعية في نفوس اللاعبين "والمتفرجين"، وتعكس حالة من حالاتِ حُكْمِ السُّلطة العادلة وتَحمُّلِها المسؤولية بشكلٍ دقيق.

تتكوَّن اللعبة من أربعة لاعبين (من فِئة البشر)، يكتبون على أَربع قُصاصات متساوية ومتشابهة من الورق؛ كلماتٍ أَربع: ("حاكِم"، "جلَّاد"، "مُفتش"، "لِص"). تُطوى تلك القصاصات جيداً، ثمَّ تُرمى ضمن الحلقة المشكَّلة من اللاعبين الأربعة، فيتسارع كلُّ واحدٍ منهم للحصول على إِحداها، ليُخفِي –بعد ذلك- ملامح وجهه أمامَ الآخرين؛ حتى لا تشير ملامحه إلى مضمون ورقته، وعند بدء الجولة وفتحِ الأوراق؛ يقول "الحاكِم": أَينَ المُفتش؟ وحينما يُفصِح "المُفتش" عن هويَّته؛ يَطلبُ منه "الحاكِم" أَنْ يجد "اللص"، لِيتولَّى محاسبته وعقابه بضربات المسطرة الخشبية التي كانت أَساساً من أُسسِ اللعبة؛ لتُستبدل -فيما بعد- بِسوطٍ من الجِلد القاسي! لا أَدري لماذا؟ ربما لأنَّنا نحبُّ التطوُّر ونعشق التراجيديا، أو ربما لأنَّنا نحبُّ القَصَاصَ من غيرنا؛ مثلما نحبُّ الانتقام وإِقامة الحدود اللاشرعيَّة!

من باب الإنصاف وتحقيق الأَمانة، لا بُدَّ من الاعتراف بِأَنَّ هناك أَشخاصاً مارسوا تلك اللعبة بِطرائِقها الشفافة التي وجدت من أجلِ الضَّحك، والانفعالات البريئة، وتمضية الوقت، والاستمتاع بالكوميديا التمثيليَّة؛ الزاخرة ببراءة الطفولة وإطلاق الضحكات؛ ولكنَّني -في الوقتِ ذاته- لا أُبَرِّئ بعض الأشخاص الَّذين كانوا يلعبونها من أَجلِ ممارسة الإرهاب الاجتماعي والإِرهاب السياسي "معاً"، وتطبيق الظلم وتغييب العدل؛ كما حصل معي ذات شِتاء، حيث كُنتُ أمارسُ تلك اللعبة مع إِخوتي داخل المنزل، وقد كُنتُ –قبلَ بِدءِ اللعبة- على خِلافٍ أُسريٍّ مع أَخي الأَكبر؛ ولكِنَّ ذلك الخلاف لَمْ يَمنعني من خوض اللعب معه؛ لعدم درايتي بِأَنَّه يُخبِّئُ لِي حِقداً دفيناً في قلبه، إِضافة إلى أَنَّني لَم أَكُن أَعلمُ أَنَّه سيقيمُ عَلَيَّ كُلَّ أَنواعِ القَصَاصِ الاجتماعي؛ بِحجة العقاب الذي كان مَرسَمَاً من مَرَاسِم اللعبة، فقد عرفتُ -بعد أَنْ ذقتُ أَلوانَ العذاب- أَنَّه أَبرَمَ اتفاقاً مع إخوتي الآخرين الَّذين يلعبون معنا، ليمارسَ مهامَّه وهواياته في الانتقام مني، بعد أَنْ قامَ –بالترتيبِ معهم- باستخدام نوعٍ جديدٍ من الكيد، يتمثل بكتابة كلمة "اللص" على جميع القصاصات، دون أَن أدري بفعلتهم تلك، ودون أَنْ أَعلمَ أَنَّهم عقدوا اتفاقاً بإِقامةِ مسرحيةٍ تمثيليةٍ يتبادلون فيها شخصيات: (الحاكِم، والجلَّاد، والمُفتش)؛ كلٌّ حسب دوره الموكول إِليه، ليتركوا لي إِرثَ "اللص" الذي بدأَ يُرافقني ويُلازمني طيلة اللعبة؛ من غير أَنْ أَعلمَ أَنَّهم يَأتمرُونَ بِي ضِمنَ خُطةٍ أُسَرِيَّةٍ مُسَيَّسَة، حِيكَت من أَجلِ الانتقامَ وإيقاع الجلدات المؤلمة من السَّوطِ الذي استبدله أخي بالاتفاق معنا قبل بداية اللعبة، فقد كُنتُ أَنظرُ إلى ذلك السَّوطِ وكأَنَّ جُنُونَاً قد مسَّه، وأّنَّ له عيوناً تتوعَّد، وآذاناً صاغية تنتظر أَمرَ الجلَّاد!

بدأنا بممارسةِ اللعب، فكانت الجولة الأولى يُمثل فيها أخي الأَكبر دور "الحاكِمُ"، وبما أَنَّني "اللص" المستهدف، وعلى خلافٍ أُسَرِيٍّ معه؛ فقد حكَمَ عَلَيَّ بعشرين ضربةٍ "حامية"، وجاءت الجولة الثانية، حيث كان "الحاكِمُ" الثاني أَخي الذي يصغرهُ سِنَّاً، فحكَمَ عّلَيَّ بعشرين ضربةٍ أخرى "حامية" إِرضَاءً لأَخي الأكبر، ثمَّ جاءت الجولة الثالثة؛ فكان المتآمر الثالث فيها أَخي الأَصغر؛ فحكَمَ عَلَيَّ بعشرين أخرى، وهكذا دوالَيكْ حتى وصلت عدد الجولات إلى اثنتي عشرةَ جولة، ذقتُ فيها أَكثر من مِئتي جلدة موجعة، وكأَنَّهم يُريدون الانتقام مِنِّي بعدد شهور السنة، فيرضون فضولهم وفضولَ كبيرهِم الذي علَّمهم السِّحر؛ بعد أَنْ تمكَّنَ من السيطرة على جميع أفرادِ العائلة، وظللتُ أَتلقَّى الجلدات "الحامية"، حتى تورَّمت يداي وسالت دِماؤها، مما أَسهم ذلك في انخفاض ضغط الدَّم الذي أَفقدني الذَّاكرة لفترة من الوقت!

إِنَّ الغريب فيما حدث، أَنَّ "المتفرجين" الباقين من أسرتي، كانوا على علمٍ يقينٍ بِأَصلِ المؤامرة التي حِيكَت لأَجلي، والأَغرب من ذلك أَنَّني كنتُ أَسمع الهتافات والتشجيعات الصادرة بحقِّ إِخوتي اللاعبين "تشجيعاً لهم" بعد كلِّ حكمٍ يُصدره "الحاكِمُ" ويمارسه "الجلَّادُ" ويشير إليه "المُفتشُ"؛ وكأَنَّهم التقطوا يهودياً غاصباً لحقوقهم، ويريدون الانتقام منه لإِعادة المغتصبات، فالجميع في تلك اللعبة (حاكِم)، والجميع (جلَّاد)، والجميع (مُفتش)، مع أَنَّ أَوراقهم ووثائقهم تكاد تنطق بِأَنَّهم همُ اللصوص الحقيقيون، وما أَنا إلا "لِصٌ" وَهمِيٌ مكتوبٌ بقلمٍ من الرصاص على قصاصة من الورق!

مرَّت الأيام وانقضت السنون دون أَن يُعلمني أَحدٌ منهم بتلك المؤامرة، فقد وضعوني في جدول الضرب لأَذوقَ ألوان العذاب، فأَتمنى الموت، ومضت الشهور وأَنا في سذاجتي أَبكي على حالتي وأَلعنُ حظي الشيطاني، وأَحسد إِخوتي على حظهم في تلك اللعبة؛ حتى جاء يوم من الأيام؛ وقع فيه خِلافٌ بين أَخي الأَكبر وأَخي الذي يصغره سِنَّاً؛ فتفرقا، بل اختصما لفترة طويلة، وظلَّ الخصامُ بينهما أَياماً وأَسابيع، ليأتي إلَيَّ واحد من المتآمرين؛ معتذراً ومعترفاً عن المؤامرة التي حِيكَت للقصاص مِنِّي وإقامة الحدود عَلَيَّ، حيث حاول التقرُّبَ مِنِّي ليس إنصافاً لِي؛ بل من أَجلِ محاربة أَخي الأكبر، فتأَسَّفَ لي عن مشاركته بتمثيل المسرحية التي أَفقدتني الذاكرة لفترة من الزمن، كما حرمتني من أَنْ أَثقَ بتلك العائلة، وذلك المنزل. عندها أدركتُ أَنَّ هناك حقائقَ مكتوبة على الورق، لم يستطع أَحدٌ الاعتراف بها، طالما أَنَّ أَفراد العصابةِ متفقون، كما أَيقنتُ أَنَّ هناك نوعاً خاصاً من الفساد الاجتماعي، يُولد ضمن أفراد الأسرة الواحدة أولاً، ثم ينطلق منها ليأخذ مكانه في المؤسسات والإدارات والقيادات ثانياً، لينتهي وَيَعُمُّ المجتمعات في نهاية المطاف، حتى بات لَديَّ شعور بالانتقامِ وتشكيلِ عصابةٍ جديدةٍ فأَقتصَّ من أَخي الأَكبر تلك الجلدات، وأمارس عليه وعلى جميع المتآمرين دور الحاكِم الظالم، والمُفتِش المُحنَّك، والجلَّاد الذي لا يعرف سوطه إلا القسوة، دون أَن أُلقيَ بالاً لبيتنا الذي كان عامراً بالألفة والانتماء، ولَمْ يعنِني -في تلك الأَيام- سوى الانتقام وتطبيق الثأْر؛ بِصرفِ النَّظر عن هدوءِ منزلنا الدافئ والمصلحة العامة المشتركة التي كانت عنواناً يسوده ضِمن حُقبةٍ تاريخيةٍ عظيمة!

بعد تلك التجربة القاسية؛ تيقنتُ أَنَّ مسألة الفساد؛ مسألة تتوقف على مدى رضا البشر من البشر، فقد كُنتُ أَظنُّ في نفسي أَنَّني مُسَالِمٌ حتى وقع عَلَيَّ الظلم؛ عندها تحوَّرَتْ شخصيَّتي، فقرَّرت أَنْ أُشكِّلَ عِصابةً فاسدةً لأَقتصَّ من الذي ظلمني! وكنتُ أَظنُّ في نفسي الصَّلاح قبلَ أَنْ أُمارس تلك اللعبة، ولكِنَّني اكتشفت بعدها أَنَّني لو وُضِعتُ مكانَ أَحدِ المسؤولين في أَيِّة منظَّمة لربما كُنتُ أَكثرَ فساداً منه، بل ربما مارستُ أَنواع الاستبداد باختراعِ لعبة مثيلة أعيش فيها دَورَ "الحاكِمِ والجلَّاد"!

خلاصة القول: إِنَّ قضية الفساد؛ لم تكن يوماً قضيةً تُدِينُ الفاسدين وحدهم، بل هي قضيةٌ تُدِينَ الَّذين رأَوا الفساد وسكتوا عنه حتى انتشر في الأَرض، وإنَّه لا بُدَّ لنا من الاعتراف بِأَنَّ الفساد نتاجٌ من نتاجات الأسرة أولاً، فهي التي ربَّتْ الأَبناء، وهي التي رعتهم، وهي التي ساهمت في تحوير المفاهيم والقيم الأخلاقية لديهم، وهي التي أَفرزت السياسيين منهم، وأَجلستهم على كراسي السلطات، ولا أَغفلُ عن ذِكرِ أَنَّ الأسرة هي التي صنعت المسؤولين، وهي التي أَفرزت النُّوَّاب وأَجلستهم على مقاعد تمثيلِ الأُمَّة في البرلمانات ومجالِسِ الشعب، بَعدَ أَنْ كان طموح البعض منهم الجلوس على مقعدٍ من مقاعد المعاقين!

التعليقات
شارك بالتعليق الاول للخبر
اضافة تعليق جديد

جميع الحقوق محفوظة لموقع وكالة الرقيب الدولي الاخبارية - 2018

لا مانع من الاقتباس او النقل شريطة ذكر المصدر

اطلع على سياسة الموقع الالكتروني