القسم : اقلام واراء
تاريخ النشر : 10/04/2019 10:02:43 PM
معابره يكتب: الذي يَمُدُّ رِجلَه؛ لا يَمُدُّ يَدَه!
معابره يكتب: الذي يَمُدُّ رِجلَه؛ لا يَمُدُّ يَدَه!
وليد معابره -

لا شكَّ أنَّ المفهوم المناط بعزِّة النفس والثقة بها تعتريهما صفات كثيرة، منها ما يُكسب الإنسان قوَّة وتماسكاً وراحةً في الضمير، ومنها ما يؤصل لديه المُثُلَ والمبادئ العميقة؛ فتحرره من رِقِّ الهوَى وذلِّ الطمع، فعزيز النفس غالباً ما يتحلَّى بالرفعة والرقي، والتعالي عن السلوكيات التي تقلل من قيمته؛ فيُمنح جمالاً ممزوجاً بأصول الكرامة، بل يُرتقى به مرتقى العظماء والكبراء، فيمتطي سحابةً من الوقار، ويصبح قدوة لمن حوله، وأنموذجاً يُحتذى به أَبَدَ الدهر؛ خاصة إذا مزجت عزَّة النفس بالعلم والأخلاق. بعكس الوضاعة! التي تقلل من شأنِ صاحبها وتضعفه وتعرضه للإهانة؛ فتسوقه كما تُساقُ الأنعام، وتجعله دنيئاً منحطاً؛ عينُه ترنو لما في يدِ غيره، ونفسُه تسوِّلُ له أن يرتكب المحرمات الصغيرة وأن يمارس "السرسرة" الكبيرة؛ خاصة إذا أتيحت أمامه فرصة أن يكون في موقعٍ لصنعِ القرار!.

لا أعتقد أنَّ هناك أشخاصاً يشتركون في صفات ذَينِكَ المفهومين المتضادين، فالتفكير المنطقي يجبرني أن أجزم أنَّه لا يمكن للنفس الإنسانية أن تتسع لتلك الصفتين في آنٍ واحد؛ فإما أن يكون الإنسان عزيزَ نفسٍ يحترمُ أرضه وهويته؛ فيحافظ على ممتلكات وطنه، أو أن يكون وضيعاً منحطاً لا يعرف من أصول الحياة إلا جمع النقود بوسائل شتَّى؛ حتى لو اضطره الأمر أن يستغلَّ منصبه، فيرتكب الحرام، ويخون العهد، ويمارس "السرسرة" بمختلف أشكالها.

يقال: إنَّ العُلماء ورثة الأنبياء؛ وإنَّ العالم الحقيقي لا يخشى في الحقِّ لومة لائِم، ولا يخاف من سطوة الملوك والجبابرة، فالعالم الذي ينماز بتلك الصفات؛ قطعاً ستنحني له القامات السياسية وتنكسر أمامه جميع الحواجز؛ لأنَّه يمتلك عزَّة النفس وعلوِّ الهمة، وبالتالي؛ فإِنَّه سيسلك المسلك المستقيم، ويحظى بالقوَّة المطلقة التي تغرس أَركان شخصيته في نفوس الآخرين؛ كما وَقَعَ في قصة فقيه الشام وإمامها وعالمها وأحد جهابذتها: الشيخ العلَّامة "سعيد الحلبي" الذي كان محدِّثاً في المسجد الأموي ضمن حقبة تاريخية تعود إلى ثمانِ مئةِ عام.

يُذكَر أَنَّ والي الشام الجبَّار "إبراهيم باشا بن محمد علي"، كان يقوم بجولة في أَنحاء مدينة دمشق، وأثناء مراسم جولته؛ دخل إلى المسجد الأموي، حيث كان الشيخ "سعيد بن عبد العزيز الحلبي" يُلقي درساً للمصلين وطلبة العلم، وقد اعتاد الشيخ في جلساته أَن يَمُدَّ رِجلَه اليمنى إلى الأمام ويثني رِجلَه اليسرى؛ كنوعٍ من ممارسة حقِّهِ في اختيار الجلسة التي تناسب سِنَّهِ وتؤمِّن راحة جسده. وحين مَرَّ الجبَّار "إبراهيم باشا" بجانب الشيخ الجليل؛ ووجده على هيئته (مادَّاً رِجلَه)؛ اغتاظ غيظاً شديداً، وقرَّر أّن يعاقبه على فعلته في تحدي جبروت الحاكِم وسلطانه، فطلب من "زبانيته" أن يحضروا الشيخ مكبلاً بالسلاسل أَمام تلاميذه؛ ليمارس معه أساليب الانتقام؛ ولكنَّ مستشاري "الباشا" –كعادة المنافقين الأزلية المعروفة- يحبون ممارسة النفاق بأشكالٍ عِدَّة، فقال أحدهم: يا باشا، إذا جئنا بالشيخ مكبلاً بالسلاسل؛ فستقوم علينا الأقوام، وسنواجه المشكلات الكبيرة، وستُفتح علينا أَبواباً لا طاقة لنا على إغلاقها! فرصيد الشيخ "الحلبي" مذهلٌ وهائلٌ في قلوب الناس! أَما إذا رغبت في معاقبته؛ فليس عليك سوى أَن تُغريهِ بالمال؛ فتضمن ولاءَه من ناحية، وتُسقط هيبته في نفوس المسلمين الذين يلتفُّون حوله من ناحية ثانية، عِندها ستتمكن من أَن تصيد عصفوراً بقنبلة مِدفع، وتُوقِع الشيخ في الشِباك دون عناء، فتنال منه، وتحقق الانتقام!

أُعجِبَ الجبَّار "إبراهيم باشا" بذلك الرأي، فعاد إلى قصره وقد قرر في نفسه أن يبطش بالشيخ، وفي اليوم التالي أَصدر أَمره لوزير المالية بالذهاب إلى المسجد؛ وقد أَعطاهُ مئة ليرة من الذهب، يسيلُ لعابُ من ينظر إليها، وتتوق كلُّ نفسٍ لتلك الثروة الضخمة المبشرة بحياة الرغد، وعندما وصل الوزير إلى حلقة العلم، وجد الشيخ بين تلاميذه، فأَلقى عليه السلام، وقال له بصوت عالٍ وعلى مسمعٍ من الناس: أيُّها الشيخ! إِنَّ هذه مئة ليرة من الذهب؛ أَرسلَها لك مولانا الباشا لتستعين بها على أَمرك! عندها أدرك الشيخ الحلبيِّ أَنَّ هناك مؤامرةً قد حيكَت من أجله! فنظر إلى الوزير بنظرة تملؤها الشفقة وتكسوها السخرية، وقال له بهدوء: يا بُنَيَّ! عُد بنقودك إلى سيِّدك، ورُدَّها إليه، وقُلْ له: إنَّ مولانا الشيخ يُقرؤك السلام، ويقولُ لك: (إنَّ الَّذي يَمُدُّ رِجلَه؛ لا يَمُدُّ يَدَه!).

الغريب أنَّ التاريخ دائماً يُعيد نفسه في جلِّ حُقَبِه؛ لأَنَّ معظم الناس لا يصغون إليه في أَول مرَّة! فلماذا لم يُعِد التاريخ نفسه في هذه الجزئيَّةِ تحديداً؟ لستُ أَدري! فلربما أنَّ مفهوم الزهد والترفع عن صغائر الأمور قد تغيَّر مساره وانعكست مفاهيمه عند بعض المعاصرين! أو أَنَّ مصطلح "عزَّة النفس" قد اندثر وأَصبح تاريخاً مرهوناً ومناطاً –فقط- برجال الدين والعلماء الزاهدين!

لقد عشتُ من الزمان حياة تقارب الخمسة عُقُود؛ قرأتُ فيها كُتباً كثيرة، تعلَّمتُ منها أَنَّ هناك نوعين من الأَيدي: نوعٌ يطلق عليه اسم اليد العليا؛ وهو نوعٌ من الأيادي التي تترفع عن المحظورات، وتُسارع في الإِنفاق وعمل الخيرات. ونوعٌ آخر يسمى باليد السفلى التي يعيش فيها الفقراء والمساكين على الصدقات من جانب، ويعيش فيها الأَثرياء المتنفذون وأصحاب السلطة على السلب والنهب من جانب آخر؛ وهذه الفئة في حقيقتها فئة تدَّعي الوطنية، وتعشق المال العام، وتحيد عن القناعة والعفاف، فتبتعد عن الشفافية والانتماء للوطن!

حقيقة؛ يجب أَن نعترف أَنَّ أَمامنا طريقين لا ثالث لهما، أَما الطريق الأول؛ فهو إعادة قراءة وتعميم التاريخ العربي من جديد، وهذه الطريقة قد تسهم في إرساء قواعد وأُصول الانتماء الحقيقي لأَفراد الأمة وجماعاتها، وغرس المعنى الحقيقي للانتساب إلى الشعب والأرض، فنستطيع أَن نثبت للعالم أَنَّ تاريخنا ماجدٌ وزاخرٌ بالتربوية والأَنسنة الحقيقة؛ التي تعوَّدنا أَن نتغنَّى بها بين الأُمم الأُخرى! وأَما الطريق الثاني؛ فهو الطريق الذي يجبرنا على كتابةِ تاريخٍ جديد، نعترف من خلاله أنَّنا أُمة استقالت من مهامها، وبدأَت تحفر قبورها وتخيط أَكفانها؛ للمغادرة الإِجبارية والانسحاب من تاريخٍ يفتقرُ إلى أَصحابِ سلطةٍ لديهم الطاقات الكامنة للوصول إلى ما بلغه الشيخ الحلبي، فنقرُّ –بتاريخنا الجديد- عجزنا عن تمثيلِ رجلٍ مَدَّ رِجلَه أَمام السطوة السياسية، وعاند الظروف، وتغلَّب على الحاجات، فأَبى أَن تكون يده هي السفلى، واختار لها الرفعة وعزَّة النفس وأَن تكون هي العليا، ليجسد لنا منهج إِصلاحٍ سياسيٍّ دائمٍ وشاملٍ، أَطَّرَهُ بإِطارٍ يحملُ "استراتيجية تضامنيَّة"، تُسهِّلُ لنا الطريق، وتفرشه بالحرير والديباج، وتُعلِّمنا درساً من دروس الأَنسنة؛ تندرج تفصيلاته تحت عنوان: إِنَّ الذي يَمُدُّ رِجلَه؛ لا يَمُدُّ يَدَه!

* كاتب ساخر 


التعليقات
شارك بالتعليق الاول للخبر
اضافة تعليق جديد

جميع الحقوق محفوظة لموقع وكالة الرقيب الدولي الاخبارية - 2018

لا مانع من الاقتباس او النقل شريطة ذكر المصدر

اطلع على سياسة الموقع الالكتروني