--°
أقلام وآراء

د. شكري المراشده يكتب: جلالة الملك .. حين يتحدث الأردن بلغة الدولة والحكمة والمسؤولية

في كل مرة يقف فيها جلالة الملك عبدالله الثاني أمام العالم، لا يتحدث باسم الأردن بوصفه دولةً تراقب الأحداث من بعيد، وإنما يتحدث من موقع دولةٍ تعرف المنطقة، وتدرك مخاطرها، وتعيش تداعيات أزماتها، وفي الوقت نفسه تتمسك بمنطق الدولة والقانون والحوار و

شاركWhatsAppFacebookX


بقلم الدكتور شكري رفاعي المراشده - رئيس هيئة مديري جامعة جدارا – المدير العام

في كل مرة يقف فيها جلالة الملك عبدالله الثاني أمام العالم، لا يتحدث باسم الأردن بوصفه دولةً تراقب الأحداث من بعيد، وإنما يتحدث من موقع دولةٍ تعرف المنطقة، وتدرك مخاطرها، وتعيش تداعيات أزماتها، وفي الوقت نفسه تتمسك بمنطق الدولة والقانون والحوار والسلام. وفي خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، كان واضحًا أن الأردن بقيادة جلالته يواصل تقديم نموذج مختلف في مقاربة الأزمات: وضوح في الموقف، وهدوء في اللغة، وشجاعة في تسمية القضايا بأسمائها.
لقد جاء الخطاب في لحظة دولية بالغة التعقيد، واختار جلالة الملك أن يبدأ من فكرة تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن السياسة، لكنها في الحقيقة شديدة الصلة بها، وهي «الانتباه». فقد نقل جلالته مفهوم الانتباه من كونه مسألة فردية مرتبطة بعصر التكنولوجيا والشاشات، إلى كونه موردًا جيوسياسيًا يحدد أي الأزمات تحظى باهتمام العالم، وأي المآسي تتراجع إلى هامش المشهد الدولي. وهي فكرة عميقة تختصر جانبًا كبيرًا من أزمة النظام الدولي المعاصر: ليس كل ما يحدث في العالم يحظى بالقدر نفسه من الاهتمام، وليس كل معاناة تتحول إلى فعل دولي.
وأعتقد أن قوة هذا الخطاب لا تكمن فقط في القضايا التي تناولها، وإنما في الطريقة التي أعاد بها جلالة الملك ترتيب الأسئلة أمام المجتمع الدولي. فبدل أن يكتفي بوصف المأساة، انتقل إلى السؤال الأكبر: ماذا يحدث عندما يصبح التجاهل سياسة؟ وماذا يبقى من هيبة القانون الدولي عندما تتكرر الانتهاكات دون أن تتحول القرارات الدولية إلى إجراءات تحمي الإنسان وتضع حدًا للمعاناة؟
وفي حديثه عن غزة والضفة الغربية، وضع جلالة الملك القضية الفلسطينية في إطارها الأوسع، مؤكدًا أن التعامل مع ما يجري باعتباره أحداثًا منفصلة لا يعكس حقيقة الواقع على الأرض. وقد شدد على أن استمرار الأزمة الفلسطينية لعقود لم يكن نتيجة غياب التحذيرات، وإنما نتيجة اختيار المجتمع الدولي في كثير من الأحيان إدارة الصراع واحتواءه بدل معالجة جذوره.
وهنا تظهر خصوصية الموقف الأردني؛ فالأردن لا ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا سياسيًا عابرًا، وإنما باعتبارها قضية عدالة وحقوق وأمن واستقرار إقليمي ودولي. ولذلك ظل صوت الأردن، بقيادة جلالة الملك، واضحًا في الدعوة إلى السلام العادل، ورفض التهجير، والحفاظ على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس ضمن الوصاية الهاشمية التاريخية.
لقد تحدث جلالة الملك عن القانون الدولي لا باعتباره شعارات تُرفع في المؤتمرات، وإنما باعتباره أساسًا لاستقرار العالم. وهذه رسالة في غاية الأهمية؛ لأن هيبة النظام الدولي لا تُقاس بعدد الاتفاقيات والقرارات التي تصدر عنه، بل بمدى قدرة هذا النظام على تطبيق مبادئه بصورة متسقة وعادلة.
ومن اللافت أيضًا أن جلالة الملك لم يحصر خطابه في القضية الفلسطينية وحدها، بل وضعها ضمن لوحة أوسع من الأزمات التي تعصف بالمنطقة والعالم، من لبنان واليمن والسودان، إلى تداعيات الحروب على الطاقة والغذاء والتجارة والاستثمار. وهذا يؤكد أن الرؤية الأردنية للأمن لم تعد تقبل الفصل المصطنع بين الأمن السياسي والأمن الاقتصادي والأمن الإنساني؛ فكل أزمة في منطقتنا يمكن أن تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدودها الجغرافية.
وفي تقديري، فإن واحدة من أهم رسائل الخطاب تمثلت في تأكيد جلالة الملك أن الدبلوماسية الأردنية ليست موقفًا ضعيفًا، بل خيار دولة تعرف قيمة الحوار، لكنها تعرف في الوقت ذاته خطوطها الحمراء ومصالحها الوطنية. وقد أكد جلالته أن التزام الأردن بالدبلوماسية والقيم الإنسانية لا ينبغي أن يُفسر على أنه ضعف، وهي رسالة تعكس مدرسة سياسية أردنية تقوم على الاعتدال، والانفتاح، والقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف دون التفريط بالمبادئ.
إن الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، لا يملك رفاهية الانعزال عن أزمات المنطقة، لكنه يمتلك إرادة الدولة التي تحاول تحويل موقعها الجغرافي والسياسي إلى مساحة للحوار والتعاون والاستقرار. ومن هنا تأتي أهمية الرؤية التي قدمها جلالته حول الأردن كدولة تسعى في الوقت نفسه إلى تعزيز التجارة والصناعة والتكنولوجيا، ومواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات، والاستجابة للأزمات الإنسانية، ودعم الشعب الفلسطيني، والحفاظ على المقدسات في القدس.
ومن موقعنا في قطاع التعليم العالي، فإنني أرى في خطاب جلالة الملك رسالة تتجاوز السياسة اليومية لتصل إلى جوهر مسؤولية الأجيال القادمة. فالجامعات ليست مؤسسات لمنح الشهادات فقط، وإنما هي مصانع للفكر، ومساحات لصناعة الوعي، ومواقع لإعداد الإنسان القادر على فهم عالم متغير. وعندما يتحدث جلالة الملك عن الثقة بين الدول، والثقة بالاتفاقيات، والثقة بأن القوانين ستطبق، فإنه يضع أمام المؤسسات التعليمية أيضًا مسؤولية بناء جيل يؤمن بالقانون والحوار وقيم التعايش واحترام الإنسان.
لقد ختم جلالة الملك خطابه بفكرة بالغة الدلالة، وهي أن المستقبل لا يتشكل فقط بما نفعله، وإنما أيضًا بما نختار أن نتجاهله. وهذه ليست رسالة إلى الحكومات وحدها، بل إلى كل إنسان ومؤسسة ومجتمع؛ لأن تجاهل الأزمات لا يلغيها، وتأجيل الحلول لا يمنع تداعياتها من الوصول إلينا.
لقد تحدث جلالة الملك من على منبر الأمم المتحدة بلغة الأردن التي نعرفها: لغة العقل عندما يكون الانفعال أسهل، ولغة المبادئ عندما تصبح المصالح الضيقة أكثر إغراءً، ولغة السلام عندما تبدو الحرب هي الخيار الأسرع. وفي ذلك تكمن قيمة الخطاب؛ فهو لم يكن مجرد استعراض للمواقف الأردنية، بل تعبير عن رؤية دولة تريد أن ترى في النظام الدولي مساحة للعدالة، وفي الدبلوماسية وسيلة للحل، وفي القانون ضمانة للجميع.
ومن جامعة جدارا، ومن موقعنا الأكاديمي والوطني، نثمّن عاليًا هذا النهج الملكي الذي يضع صورة الأردن في موقع الدولة الواثقة من نفسها، المعتزة بمبادئها، المتمسكة بثوابتها، والمنفتحة على العالم دون أن تتخلى عن هويتها أو مصالحها.
حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار، ومضى الأردن بقيادته الهاشمية الحكيمة في طريق البناء والعلم والسلام، مدافعًا عن قضايا أمته، ومؤمنًا بأن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تملك من أدوات، وإنما بما تحمله من مبادئ، وبما تمنحه من ثقة، وبقدرتها على أن تبقى ثابتة حين تتغير من حولها الأشياء.

اقرأ أيضاً

التعليقات

اكتب تعليقك وسيُنشر بعد مراجعة هيئة التحرير.

0/800

جاري تحميل التعليقات...