وكالة الرقيب الدولي الإخبارية
https://alraqeb.net/news/130585/%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF-%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D9%87-%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A-%D8%B5%D9%86%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%81%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%9F
جهاد مساعده يكتب: من الذي صنع التكفيري؟
لا يولد الإنسان تكفيريًا، ولا يخرج من رحم أمه وهو يرى في الاختلاف جريمة، وفي القتل بطولة. فمن الذي أقنعه بأنه يملك الحقيقة المطلقة، وأن من يخالفه يستحق الموت
بقلم: جهاد مساعدة
لا يولد الإنسان تكفيريًا، ولا يخرج من رحم أمه وهو يرى في الاختلاف جريمة، وفي القتل بطولة. فمن الذي أقنعه بأنه يملك الحقيقة المطلقة، وأن من يخالفه يستحق الموت؟ ومن الذي حوّل إنسانًا قادرًا على التفكير والرحمة إلى قاتل يتوهّم أن إزهاق الأرواح فضيلة؟
تبدأ صناعة التكفيري في إحدى أخطر صورها حين يُصادر العقل، ويُجرَّم السؤال، ويُلقَّن الإنسان أن الطاعة تغنيه عن الفهم، وأن رأي الملقّن حقيقة لا تقبل النقاش. عندئذٍ يصبح الاختلاف خيانة، والمخالف عدوًا، والتكفير حكمًا يستبيح به صاحبه حياة الآخرين.
وليس الجهل أو الفقر شرطًا لصناعة التكفيري؛ فقد يكون متعلمًا وميسورًا، لكنه أسير فكر لا يعترف بحق غيره في الحياة. فالمحرّض لا يحتاج دائمًا إلى إنسان جاهل، بل إلى غضب يستغله، أو شعور بالظلم يوظّفه، أو حاجة إلى الانتماء يحوّلها إلى ولاء أعمى. وحين يستسلم التكفيري لهذا الوهم، يصبح مطيّةً للمحرّض، يقوده حيث يشاء؛ يختار له عدوه، ويحدد له هدفه، ويدفعه إلى القتل، بينما يتوهّم أنه صاحب قرار ورسالة.
ولم يعد التحريض يحتاج إلى لقاء مباشر؛ فقد أصبحت الشاشات والمنصات الرقمية أدوات لتزييف الحقائق وترويج الكراهية. وقد يجلس المحرّض آمنًا خلف شاشته، بينما يذهب من صدّقه لسفك دماء أناس لم يعرفهم، ولم يرتكبوا في حقه ذنبًا.
ولا تقف الخطورة عند المحرّض؛ فثمة من يمنح الجريمة غطاءً أخلاقيًا، فيدين الإرهاب حين يستهدف من يوافقه، ويبحث له عن الأعذار حين يقتل من يخالفه. فتلك ازدواجية تجعل من هوية الضحية معيارًا للحكم على الفعل. فالقتل لا يصبح عدلًا بتغيير اسم القاتل، ولا تتحول الجريمة إلى بطولة بتبديل الراية التي تُرتكب تحتها.
وليس الإرهاب حكرًا على دين أو عقيدة أو أيديولوجيا؛ فقد عرف العالم إرهابًا تستّر بالدين، وآخر تغذّى على أوهام التفوق العرقي والتعصب القومي. تختلف الشعارات، لكن المنطق واحد: إلغاء الآخر واستباحة حياته باسم قضية يدّعي أصحابها قداستها.
فالإرهاب لا دين له، ولا يجوز تحميل الأديان والمعتقدات مسؤولية جرائم من يتخذونها ستارًا لعنفهم.
ولا تنحصر مسؤولية الجريمة فيمن نفّذها؛ فالقاتل مسؤول عن فعله، ومن حرّضه أو جنّده أو موّله يتحمل مسؤوليته وفق القانون. وحماية الوطن من شرور الإرهاب واجبٌ لا مساومة عليه؛ فلا أمن لمجتمع تُستباح فيه الدماء، ولا طمأنينة لشعب يُروَّع الآمنون في ديارهم. ومن الرحمة بالمظلومين الحزمُ مع الظالمين؛ ولذلك لا تكتمل المواجهة بملاحقة الجناة وحدهم، بل تستلزم تجفيف منابع التحريض، وتحصين العقول بالتعليم الواعي والتفكير النقدي، وإنفاذ القانون بعدلٍ وحزم.
لم يصنع التكفيريَّ شخصٌ واحد؛ فهناك من لقّنه الكراهية، ومن استغل غضبه، ومن حرّضه على القتل، ومن برّر جرائمه. وقد يسقط القاتل، لكن الخطر لا يسقط معه ما دام هناك من يصنع قاتلًا جديدًا، ويقنعه بأن الجريمة عقيدة، وأن القتل فضيلة. ومن الوفاء للوطن صونُ أمنه، والذودُ عن حرماته، وإعلاءُ هيبة دولته؛ فلا هوادة مع الإرهاب، ولا حصانة لمحرّضيه، ولا إفلات لمرتكبيه من العقاب؛ بل ضربٌ على أيدي التكفيريين ومن يقف وراءهم، بحزم الدولة وسلطان القانون.
أخبار ذات صلة

جهاد مساعده يكتب: الجذور الفكرية والفقهية للتكفيريين... من خوارج الأمس إلى دواعش العصر

جهاد مساعده يكتب: موسى حجازين.. حين يفيض القلب بجميل السؤال الملكي

جهاد مساعده يكتب: رح نورجيهم... كلمتان خفيفتان على اللسان مزلزلتان في الميدان!

د. زهير طاهات يكتب: حين تصبح الزيارة ذاكرةً، والمصافحة رسالةً، والحضور الإنساني وطنًا

جهاد مساعده يكتب: 8200 وحسابات مجهولة تشتت الانتباه عن خطاب الملك

جهاد مساعده يكتب: فيصل بن الحسين… مجدٌ تحيط به أقمار
أخبار من ذات القسم

رضوان النعسان يكتب: أمن الأردن واستقراره.. خط أحمر وثابت وطني راسخ

مهنا نافع يكتب: السردية السياسية للرئيس دونالد ترمب

محمد باشا ملاحيم يكتب: ترجّل الجواد.. وارتقى شهيداً

معالي الشيخ فيصل الحمود الصباح يكتب: شلّت يد الإرهاب وحفظ الله الأردن قيادةً وشعباً.

أسعد العزام يكتب: الفكر التكفيري والمخطط الإجرامي...إستهداف الوطن يبدأ بمحاولة تفكيك وحدته

د. حابس الزبون يكتب: خطاب العرش السامي... رؤية ملكية ترسّخ ثوابت الدولة وترسم ملامح المستقبل
التعليقات
جاري تحميل التعليقات...
