--°
أقلام وآراء

بينَ الأمسِ والغدِ

بقلم / الفاضل رامي الروسان- في مسيرة العمر، لا تبقى الأحوال على حال، فالدنيا بطبعها متقلبة، تُدير وجهها بين إقبالٍ وإدبار، وبين فرحٍ يعقبه حزن

شاركWhatsAppFacebookX


بقلم / الفاضل رامي الروسان- 

في مسيرة العمر، لا تبقى الأحوال على حال، فالدنيا بطبعها متقلبة، تُدير وجهها بين إقبالٍ وإدبار، وبين فرحٍ يعقبه حزن، وسعةٍ يتبعها ضيق. 
ومع تقدّم العمر، يبدأ الإنسان بإدراك هذه الحقيقة لا بعقله فقط، بل بقلبه الذي أنهكته التجارب، وروحه التي أثقلتها الهموم والمصائب.
في بدايات العمر، نعيش باندفاع الأمل وسذاجة الحلم، نظنّ أن الأيام لنا، وأن الغد سيحمل دائمًا ما نرجوه. تمرّ السنون، وتبدأ الأحوال بالتبدّل؛ تتراجع الأحلام الكبيرة لتحلّ مكانها أمنيات أبسط : راحة البال، وطمأنينة القلب، وسلام النفس. فالعمر لا يعلّمنا كيف نربح فقط، بل يعلّمنا كيف نخسر دون أن ننكسر.
ومع كثرة الهموم، تتغيّر نظرتنا للحياة؛ ما كنّا نعدّه مصيبة في الصغر، قد يصبح تفصيلًا عابرًا في الكِبر، وما كنّا نستهين به من وجع، يغدو أثقل مما نحتمل. فالمصائب حين تتوالى لا تكسر الإنسان دفعة واحدة، بل تُنهكه شيئًا فشيئًا، حتى يصبح الصبر عادة، والتحمّل أسلوب حياة.

وتبدّل الأحوال لا يقتصر على الخارج فحسب، بل يمتد إلى الداخل؛ إلى القلوب التي كانت عامرة بالثقة فأصابها الشك، وإلى النفوس التي كانت قوية فمسّها الوهن، لا ضعفًا، بل من كثرة ما حُمّلت. ومع ذلك، فإن في هذا التغيّر حكمة خفية ؛ إذ يكتشف الإنسان مع الزمن أن الثبات الحقيقي ليس في الظروف، بل في القدرة على التكيّف، وفي الإيمان بأن لكل ضيقٍ فرجًا، ولكل ليلٍ فجرًا مهما طال.
ومع تقدّم العمر، نُدرك أن الحياة ليست عدلًا دائمًا، لكنها تعليم دائم. تعلّمنا أن نُمسك بالقليل الذي يبقى، وأن نُقدّر من ظلّ معنا حين غادر كثيرون، وأن نخفّف من قسوتنا على أنفسنا قبل أن نطلب الرحمة من الدنيا.
وهكذا تمضي الأيام، تتبدّل الأحوال، وتتعاقب الهموم والمصائب، ويبقى الإنسان واقفًا بين الأمس والغد، يحمل ذاكرة مثقلة وتجربة عميقة، لكنه أكثر وعيًا، وأكثر صبرًا، وربما أقلّ فرحًا، لكنه أصدق شعورًا. فليس التقدّم في العمر نقصانًا، بل تحوّلاً في المعنى، ونضجاً يولد من رحم الألم، وحكمة لا تُمنح إلا لمن طال بهم الطريق.

اقرأ أيضاً

التعليقات

اكتب تعليقك وسيُنشر بعد مراجعة هيئة التحرير.

0/800

جاري تحميل التعليقات...