--°
منبر "الرقيب الدولي"

مرافعة ملكية أمام العالم.. الملك عبدالله الثاني يضع المجتمع الدولي أمام مرآة الحقيقة

لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خطاباً بروتوكولياً آخر يضاف إلى خطابات القادة في المحافل الدولية، ولم يكن مجرد عرض للموقف الأردني من أزمات المنطقة والعالم؛ كان أقرب إلى مرافعة سياسية وأخلاقية وقانونية متم

شاركWhatsAppFacebookX



بقلم: د. زيد مُعين المراشده -

لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خطاباً بروتوكولياً آخر يضاف إلى خطابات القادة في المحافل الدولية، ولم يكن مجرد عرض للموقف الأردني من أزمات المنطقة والعالم؛ كان أقرب إلى مرافعة سياسية وأخلاقية وقانونية متماسكة، وقف فيها الملك أمام المجتمع الدولي وكأنه محامٍ يحمل ملف قضية مفتوحاً منذ عقود، يضع الوقائع أمام هيئة يفترض أن تكون مهمتها حماية القانون وصون العدالة ومنع تحول الظلم إلى أمر اعتيادي.

منذ الجملة الأولى تقريباً، اختار الملك أن يمسك بخيط مختلف. لم يبدأ مباشرة بغزة، ولا بالحرب، ولا بالاحتلال، بل تحدث عن «الانتباه» بوصفه مورداً نادراً في عالم سريع التحول، قبل أن ينقل هذه الفكرة من بعدها الإنساني والتكنولوجي إلى معناها الجيوسياسي. وهنا تحديداً تكمن إحدى نقاط القوة اللافتة في الخطاب؛ فـ«الانتباه» لم يعد مجرد قدرة بشرية على التركيز، بل أصبح في خطاب الملك أداة لفهم السياسة الدولية: ما الذي يختار العالم أن يراه؟ وما الذي يقرر أن يغض الطرف عنه؟ وأي مأساة تستحق أن تبقى في واجهة المشهد، وأي مأساة يسمح لها بأن تتحول مع الوقت إلى خبر عابر؟

ومن هذه البوابة دخل الملك إلى القضية الفلسطينية، لا باعتبارها أزمة جديدة ظهرت مع الحرب الأخيرة، وإنما باعتبارها نتيجة لعقود من إدارة الصراع بدلاً من معالجة جذوره. وهنا جاءت العبارة شديدة الدلالة: المجتمع الدولي اختار «احتواء الصراع، بدلا من التصدي لحله». وفي هذه الجملة وحدها تختصر المرافعة جانباً أساسياً من حجتها؛ فالمشكلة، وفق هذا الطرح، لم تكن غياب التحذيرات، وإنما استمرار التعامل مع الاحتلال والانتهاكات باعتبارها أزمات مؤقتة يمكن تأجيلها، حتى أصبح المؤقت دائماً، وأصبح الدائم نهجاً.

ثم رفع الملك سقف السؤال من القضية الفلسطينية إلى جوهر النظام الدولي نفسه: إذا كان من الممكن تجاهل القانون الدولي لعقود، فماذا تبقى من قيمته؟ وكيف يمكن تطبيقه إذا لم نعترف بانتهاكاته؟

هنا خرج الخطاب من حدود التعبير عن موقف سياسي إلى مساءلة فلسفة النظام الدولي ومصداقية مؤسساته. فالملك لم يكتف بوصف المعاناة الفلسطينية، بل وضع المجتمع الدولي أمام سؤال يتعلق بالقاعدة التي يفترض أن تحكم العلاقات بين الدول: هل القانون الدولي قاعدة عامة تنطبق على الجميع، أم مجموعة مبادئ تتوقف فاعليتها عند حدود السياسة والمصالح؟

وفي غزة، كانت المرافعة أكثر مباشرة. فالملك لم يترك القضية في إطار العبارات العامة، بل انتقل إلى ما وصفه بالأدلة، مستعرضاً ما قال إنه استهداف للمستشفيات الميدانية الأردنية، واستمرار للهجمات وتدمير للبنية التحتية المدنية، وتضييق على الفلسطينيين. ثم جاءت الجملة الأكثر حدة في هذا السياق عندما قال إن المساءلة تبدأ عندما «نسمي الأمور بمسمياتها الحقيقية»، قبل أن يصف ما يجري بأنه محاولة لمحو الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد في غزة.

لكن اللافت أن الخطاب لم يتوقف عند غزة، ولم يسمح بأن تختزل القضية الفلسطينية في المشهد الإنساني الكارثي للقطاع وحده. فقد نقل الملك مركز المرافعة إلى الضفة الغربية، حيث تحدث عن الاستيطان والعنف والنزوح ومصادرة الأراضي، ثم بدأ بتفكيك اللغة التي تستخدم لتوصيف هذه الممارسات.

هدم المنازل، كما قال، ليس مجرد «تنفيذ للقانون»، وإنما ترحيل قسري. والاستيلاء على الأراضي المحتلة ليس مجرد «تسجيل للأراضي»، بل ضم فعلي. ونقاط التفتيش والحواجز ليست مجرد بنية تحتية أمنية، بل منظومة يصفها بالقمعية. أما الاعتداءات على الفلسطينيين فلا يمكن اختزالها، بحسب الخطاب، في وصف «حفنة من مثيري الشغب» عندما تكون هناك وقائع تتعلق بدور الجنود أو تقاعسهم أو مشاركتهم في بعض الحالات.

وهنا ظهرت واحدة من أكثر أدوات الخطاب قوة: إعادة تسمية الأشياء. فاللغة السياسية كثيراً ما تستطيع تخفيف وقع الأحداث من خلال المفردات. وحين يصبح التهجير «إجراءً»، والاستيطان «توسعاً»، والاستيلاء على الأرض «تسجيلاً»، والعنف «فوضى»، فإن الكلمات نفسها قد تتحول إلى وسيلة لحجب الحقيقة. ولذلك بدا خطاب الملك وكأنه يحاول انتزاع القضية من منطقة المصطلحات السياسية الملساء وإعادتها إلى لغة مباشرة تسأل عن الفعل ونتيجته ومسؤوليته.

ولم يكتف الملك بتوصيف ما يجري، بل ربط أحداث غزة والضفة الغربية في إطار واحد، رافضاً التعامل معهما كقصتين منفصلتين. وفي واحدة من أكثر نقاط الخطاب وضوحاً، قال إنهما «وجهان لنفس الاستراتيجية الإسرائيلية»، معتبراً أن النتيجة التي يجري العمل عليها هي جعل قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة أمراً مستحيلاً.

ومن هنا انتقل الخطاب إلى تفكيك ما سماه «الأوهام» التي تعيق الوصول إلى الحل. ومن بينها الاعتقاد بأن رفض الدولة الفلسطينية موقف قابل للتغيير، والاعتقاد بأن الدول العربية لم تقدم عرضاً للسلام، مستحضراً مبادرة السلام العربية التي طرحت عام 2002، وما تضمنته من عرض للتطبيع مقابل السلام وقيام الدولة الفلسطينية.

وهذه النقطة تحديداً منحت الخطاب بعداً تاريخياً؛ فالملك لم يتحدث عن اللحظة الراهنة بمعزل عن سياقها، وإنما أعاد وضعها في مسار يمتد لعقود، ليقول إن السؤال ليس ما إذا كان العرب قد قدموا فرصة للسلام، وإنما ماذا حدث لهذه الفرصة طوال السنوات الماضية.

ثم عاد الملك إلى الفكرة التي افتتح بها خطابه: الانتباه. لكن «الانتباه» هنا لم يعد مفهوماً مجرداً؛ فقد أصبح أداة لقراءة السلوك السياسي. فالحكومة الإسرائيلية، بحسب الخطاب، تدرك قوة الانتباه، وعندما تواجه بأدلة على أفعالها تسعى إلى تحويل الانتباه بعيداً عن تلك الأفعال، سواء من خلال الطعن في مصداقية المنتقدين أو تقديم الصراع باعتباره حرب أديان.

وهنا جاءت رسالة أخرى شديدة الوضوح: الصراع ليس صراعاً بين الإسلام من جهة واليهودية والمسيحية من جهة أخرى، وإنما هو، وفق توصيف الملك، صراع حول الحقوق التي يستحقها الفلسطينيون، مسلمون ومسيحيون، أسوة بغيرهم.

وبهذا أعاد الملك القضية إلى جوهرها الإنساني والسياسي، وأغلق أحد الأبواب التي يمكن أن تقود إلى تحويلها من قضية حقوق وقانون واحتلال إلى صراع ديني مفتوح.

لكن أقوى أجزاء المرافعة ربما جاءت عندما انتقل الخطاب من توصيف المشكلة إلى مساءلة الفعل الدولي نفسه.
«هل سنتحرك؟»
سؤال قصير، لكنه جاء بعد سلسلة طويلة من الوقائع والحجج. والأهم أن الملك لم يفسر استمرار التقاعس بأنه عجز مطلق عن التحرك، بل قال بوضوح إن العالم يمتلك الأدوات، مستشهداً بالعقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي، ومشيراً إلى أن المجتمع الدولي استخدم هذه الأدوات في قضايا أخرى.

وهنا أصبح السؤال أكثر إحراجاً: إذا كانت الأدوات موجودة، فلماذا تختلف طريقة استخدامها عندما يتعلق الأمر بإسرائيل؟

بهذا الانتقال، لم تعد المرافعة موجهة إلى إسرائيل وحدها، بل إلى المجتمع الدولي أيضاً؛ إلى المؤسسات والدول التي تمتلك أدوات الضغط، وإلى الفجوة بين القرارات والممارسة، وبين النصوص والواقع.

ومن هذه النقطة تحديداً يمكن فهم واحدة من أقوى عبارات الخطاب: «التقاعس السياسي العالمي ليس ناتجا عن قلة في الخيارات. دعونا نسمي الأمور بمسمياتها: هذا التقاعس هو خيار».

إنها عبارة تحمل شحنة سياسية كبيرة، لأنها تنقل النقاش من سؤال «هل يستطيع العالم أن يفعل شيئاً؟» إلى سؤال «لماذا لا يفعل ما يستطيع؟».

وفي المقابل، لم يسمح الملك بأن تبدو مرافعة الأردن وكأنها خطاب اتهام للآخرين فقط. فقد عاد إلى الأردن، وموقعه، ودوره، وحدوده، وأمنه القومي، ومياهه، وعلاقاته الإقليمية والدولية. وعندما تحدث عن جنوب سوريا، انتقل من موقع المراقب إلى موقع الدولة التي تحدد خطوط مصالحها وأمنها بوضوح شديد.

«الأمر واضح كالشمس»، قال الملك في توصيفه للموقف الأردني من أي تهديد للحدود الشمالية أو الأمن المائي، مضيفاً أن الأردن لن يشيح بنظره، وأنه سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه.

وهنا ظهرت سمة أخرى في الخطاب: الدبلوماسية الأردنية كما يقدمها الملك ليست دبلوماسية صامتة، ولا دبلوماسية مواجهة دائمة، وإنما دبلوماسية تقوم على الحوار مع الجميع، لكنها في الوقت ذاته لا تتنازل عن المصالح الوطنية ولا عن المبادئ.

ولذلك جاءت عبارته اللافتة بأن تمسك الأردن بالدبلوماسية «لا يعلو على التزامنا بالقيم الإنسانية»، وأنه لا ينبغي لأحد أن يفسر هذا التمسك بالدبلوماسية على أنه ضعف.

في هذه اللحظة، بدا الخطاب وكأنه يرسم صورة الأردن الذي يريد الملك تقديمه للمجتمع الدولي: دولة صغيرة في الجغرافيا، لكنها حاضرة في الملفات الإقليمية، تتحمل أعباء الأزمات، وتواجه الإرهاب والتهريب، وتستضيف وتساند وتدعم، وتحافظ على الوصاية الهاشمية على المقدسات، وفي الوقت ذاته تتمسك بالسلام والدبلوماسية.

ولذلك لم يكن حضور الأردن في الخطاب مجرد فقرة وطنية تأتي عادة في نهاية خطابات القادة، بل كان جزءاً من الحجة نفسها: الأردن يريد السلام، لكنه لا يريد سلاماً منفصلاً عن العدالة؛ يريد الحوار، لكنه لا يعتبر الحوار بديلاً عن المبادئ؛ ويتمسك بالدبلوماسية، لكنه لا يريد أن تُقرأ الدبلوماسية بوصفها تراجعاً عن الحقوق أو المصالح.

أما على مستوى الأداء، فإن قوة الخطاب لم تكن في الكلمات وحدها. فمثل هذه المرافعة لا تكتمل من دون الحضور الذي يحملها. الثبات في الوقفة، وضبط الإيقاع، والتوقف عند الجمل المفصلية، ونبرة الصوت التي ترتفع حين يتعلق الأمر بالقانون والحقوق والسيادة، ثم تهدأ حين ينتقل الحديث إلى المستقبل والسلام؛ كلها عناصر تجعل النص المسموع مختلفاً عن النص المكتوب.

ولهذا بدا الملك، في كثير من لحظات الخطاب، وكأنه لا يقرأ موقفاً معداً سلفاً بقدر ما يضع أمام الحضور ملفاً يريد منهم أن يواجهوا أسئلته. فحين يقول «هل سنتحرك؟»، لا تبدو الجملة مجرد سؤال بلاغي، وإنما لحظة يضع فيها المسؤولية أمام القاعة كلها.

وهنا تكتسب ردود الفعل داخل القاعة دلالتها السياسية والإعلامية، خصوصاً التصفيق الحار الذي رافق أجزاء من الخطاب. فالتصفيق في مثل هذه المنابر ليس بحد ذاته حكماً على صحة كل ما ورد في الخطاب، لكنه مؤشر واضح إلى أن الرسالة وصلت إلى القاعة وأحدثت تفاعلاً ظاهراً.

وفي النهاية، عاد الملك إلى الفكرة التي بدأ منها: الانتباه. لكن بعد أن أخذ المستمع معه في رحلة من الشاشة الصغيرة إلى الجغرافيا السياسية، ومن غزة والضفة الغربية إلى سوريا، ومن فلسطين إلى القانون الدولي، ومن الأردن إلى مستقبل النظام الدولي، أصبحت الفكرة أكثر عمقاً: العالم لا يواجه فقط مشكلة في كثرة الأزمات، بل في قدرته على تحديد ما الذي يستحق أن يبقى حاضراً في وعيه السياسي، وما الذي يسمح لنفسه بأن يتحول إلى أمر مألوف.
ولعل أقوى ما في الخطاب أنه لم يطلب من المجتمع الدولي أن ينتبه إلى المأساة الفلسطينية فحسب، بل طالبه بأن ينتبه إلى ما يترتب على تجاهلها.

فالمشكلة، كما قدمها الملك، ليست فقط في حرب تدور اليوم، وإنما في عالم يفقد تدريجياً الثقة بقواعده ومؤسساته إذا أصبحت القوانين انتقائية، والقرارات حبراً على ورق، والاحتلال أمراً قابلاً للتعايش معه، والتهجير حقيقة يمكن تطبيعها مع مرور الوقت.

من هنا يمكن فهم خطاب الملك عبدالله الثاني باعتباره أكثر من خطاب سياسي أردني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ لقد كان محاولة لوضع القضية الفلسطينية في قلب السؤال الأكبر: ماذا يبقى من النظام الدولي إذا لم تعد قواعده متساوية على الجميع؟

كان الملك يتحدث عن فلسطين، لكنه كان في الوقت ذاته يتحدث عن معنى القانون، وعن قيمة المؤسسات، وعن مستقبل السلام، وعن مسؤولية الدول، وعن العالم الذي يريد أن يبني مستقبله على الثقة، بينما يسمح في الوقت نفسه بانهيار الثقة بقواعده أمام أعين الشعوب.

وفي ختام مرافعة امتدت من «الانتباه» إلى «المساءلة»، ترك الملك المجتمع الدولي أمام خلاصة لا تحتاج إلى كثير من الشرح: المستقبل لا يتشكل فقط بما نفعله، وإنما أيضاً بما نختار أن نتجاهله.
وهذه، ربما، كانت الرسالة الأشد قوة في الخطاب كله؛ لأن المرافعة لم تضع القضية أمام العالم فقط، بل وضعت العالم نفسه أمام مرآة ما يفعله وما لا يفعله.

اقرأ أيضاً

التعليقات

اكتب تعليقك وسيُنشر بعد مراجعة هيئة التحرير.

0/800

جاري تحميل التعليقات...