١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦٧ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ
--°
الزميل مُعين المراشده يكتب: طيلان.. حكاية وليٍّ صار جنيًّا في ذاكرة قريتي سوم..محاضرة حول دور الاعلام في التثقيف والوعي في رواق جرش (صور)الاتحاد الأردني لكرة القدم يترشح لجائزة أفضل اتحاد وطني في آسيا لعام 2026 ضمن فئة البلاتينرونالدينيو يزور الأردن لحضور أسبوع الفنون القتالية المختلطة ونزالات «DF: UNCAGED»وزير الاتصال الحكومي ينعى الإعلامي الأردني صالح ارتيمة مدير البرامج الأسبق في التلفزيون الأردنيمتحف الوهادنة في عجلون يفتتح مكتبة عامة تضم أكثر من 2000 كتاب لتعزيز الوعي بالتراث الأردني19 دولة عربية وإسلامية تدين افتتاح كولومبيا سفارة في القدس وتطالبها بالتراجعمادبا تطلق سباق «درب الفسيفساء» للدراجات بمشاركة 100 متسابق ومتسابقةغزة: 4 شهداء و9 إصابات خلال 24 ساعة مع استمرار خروقات وقف إطلاق النارالذهب يرتفع مع تراجع الدولار ويقترب من تسجيل خسارة أسبوعية15 معصرة زيتون في عجلون تستقبل المحصول وسط جولات رقابية لضمان جودة الزيتالاحتياطيات الدولية الروسية تتراجع 9.7 مليار دولار إلى 723 مليارًاطقس الأردن اليوم الجمعة: أجواء لطيفة وتحذيرات من الغبار والضباب وفرص أمطارالمراشدة والزبون يشاركان في مهرجان صخرة الثقافي الأول ويُكرَّمان تقديرًا لدورهما في دعم الثقافة والمجتمع (صور)برعاية وزيرة التنمية الاجتماعية.. جامعة جدارا تحتفي بتخريج 85 طالبًا وطالبة من برامج الدبلوم المهني والتدريبي (صور)
منبر "الرقيب الدولي"

الزميل مُعين المراشده يكتب: طيلان.. حكاية وليٍّ صار جنيًّا في ذاكرة قريتي سوم..

في ذاكرة القرى حكايات لا تشبه غيرها... تبدأ من واقعة غامضة، أو رواية تتناقلها الألسن، ثم لا تلبث أن تكبر وتتسع، حتى تصبح جزءًا من موروث الناس ووجدانهم، تختلط فيها الحقيقة بالخيال، والخوف بالمتعة، وتغدو الحكاية الواحدة حكايات،

شاركWhatsAppFacebookX


بقلم/ معين المراشده *

في ذاكرة القرى حكايات لا تشبه غيرها... تبدأ من واقعة غامضة، أو رواية تتناقلها الألسن، ثم لا تلبث أن تكبر وتتسع، حتى تصبح جزءًا من موروث الناس ووجدانهم، تختلط فيها الحقيقة بالخيال، والخوف بالمتعة، وتغدو الحكاية الواحدة حكايات، لكل راوٍ فيها إضافة، ولكل جيل روايته الخاصة.
وفي قريتنا الجميلة سوم، غربي إربد، كانت هناك حكاية لا تكاد تخلو منها مجالس الكبار، حكاية ارتبطت بساحة أثرية في وسط البلدة، تقع مقابل بيت جدّي، وما زالت عالقة في ذاكرتي بكل ما حملته من غرابة وإثارة. تلك الساحة التي تعود آثارها إلى العهدين الروماني والبيزنطي، ويطلق عليها أهل سوم اسم «طيلان».
كانت جدتي، رحمها الله، تروي أن سبب هذه التسمية يعود إلى وليٍّ يُعتقد أنه دُفن في تلك الساحة، وأنه كان يظهر للمارة مرتديًا جبّة خضراء، ولا سيما في ليالي الشتاء الماطرة، حين يشتد الظلام وتخلو الطرقات إلا من وقع المطر وصوت الريح. وكان ظهوره، كما تقول الحكايات، يبعث الهلع في النفوس، ويجعل العابرين يسرعون الخطى، وكأنهم يخشون أن يلتفتوا وراءهم فيجدوه يتبعهم!
ومنذ ذلك الحين، لم تعد «طيلان» مجرد ساحة أثرية في قلب القرية، بل أصبحت عالمًا قائمًا بذاته، تتوالد فيه الحكايات كما تتوالد النجوم في سماء الليل. فما من مجلس يجتمع فيه أهل سوم أو جيرانها من القرى المجاورة إلا وتجد للحكاية نصيبًا منه.. هذا يروي حادثة، وذاك يضيف تفصيلًا، وثالث يضع من عنده ما يزيدها غرابة، ورابع يضفي عليها شيئًا من المغامرة والبطولة، حتى كادت حكايات طيلان تصبح ملحمة شعبية لا تقل تشويقًا عن قصص الأبطال التي تناقلتها الأجيال.
ومع مرور الزمن، حدث ما يحدث لكثير من الحكايات الشعبية.. فقد تحوّل طيلان في مخيلة الناس من وليٍّ غامض إلى جنيٍّ تتناقل الألسن أخبار ظهوره وتنقّلاته، وكأن له حياة أخرى لا يعرف تفاصيلها إلا من عاشوا في محيط الساحة وما جاورها.
وكانت له، بحسب الروايات، أماكنه المفضلة، ومن بينها حاكورة عمي عيسى العبد، حيث كان يؤثر الجلوس تحت رمانة كبيرة، تعد أكبر أشجار الحاكورة. وكانت من صنف الرمان الذي يسمونه في قريتنا «شرابي»، حباته كبيرة، ونواه صغير وضعيف، أما مذاقه فطيب لا يُنسى.
وهكذا، اكتسبت الحاكورة اسمًا جديدًا، فأصبحت تُعرف بـ«حاكورة طيلان»، فيما غدت الرمانة نفسها «رمانة طيلان»، وكأن الشجرة الوارفة قد تحولت، في المخيلة الشعبية، إلى عنوان ثابت من عناوين تلك الأسطورة.

أما نحن، أبناء العمومة، فقد كانت لنا مع تلك الرمانة حكاية أخرى، أقل غرابة في تفاصيلها، لكنها أكثر رسوخًا في نفوسنا. كنا نلعب تحتها أو بالقرب منها، ونستظل بفيئها، ونفرح بثمرها، لكننا لم نكن نجرؤ على البقاء في الحاكورة بعد مغيب الشمس. بل كنا نغادرها قبل الغروب بنصف ساعة أو ساعة، وكأننا ننفذ موعدًا لا يجوز الإخلال به.
لم يكن أحد منا يريد أن يختبر شجاعة قلبه، أو أن يكون بطل الحكاية التالية التي ستتناقلها الألسن في مجالس القرية!
كنا نخاف من شر طيلان!
ومضت السنوات، وكبرنا، وغادرنا شيئًا فشيئًا عالم الطفولة، وأصبحنا شبابًا نعرف أن كثيرًا مما سمعناه لم يكن سوى حكايات نسجها الخيال الشعبي، ومع ذلك ظل في داخلنا فضول صغير، كنا نتندر به أحيانًا، ونتساءل ضاحكين... تُرى، هل سيظهر طيلان لأحدنا يومًا، أم أنه سيظل وفيًّا لغموضه، لا يطل إلا في حكايات الرواة؟
لكن طيلان لم يظهر لأحد منا، على الأقل في حدود ما عرفناه وسمعناه!
ثم جاءت سنوات التغيير، وبدأ الإسمنت يغزو ريفنا في أواخر السبعينيات، فتبدلت ملامح المكان، وأخذت البيوت الحديثة تحل محل الحواكير القديمة، واختفت الحاكورة التي احتضنت رمانة طيلان، كما أزيلت الساحة التي ارتبط اسمها بتلك الحكايات، وأقيمت مكانهما منازل حديثة.
وبقيت الحكاية.
فأبناء عمومتي الذين يسكنون اليوم في تلك المنازل ما زالوا، على سبيل التندر والسخرية، يستحضرون طيلان بين الحين والآخر... مرة بوصفه الولي الذي كان يظهر بجبته الخضراء، ومرة بوصفه الجني الذي اتخذ من الحواكير والأشجار مأوى له. وكأنهم بذلك يستعيدون زمنًا مضى، ويستحضرون معه وجوهًا غابت، وأماكن لم يبقَ منها إلا ما تحفظه الذاكرة.
وكلما عدت بذاكرتي إلى تلك الأيام، أدركت كم كان الخيال الشعبي في سوم، وفي قرانا الأردنية عمومًا، قادرًا على تحويل الأماكن العادية إلى عوالم مدهشة، وعلى منح شجرة أو ساحة أو بيت قديم حكاية تعيش أطول من عمر المكان نفسه.
ولعل الحكاية لم تكن في طيلان وحده، بل في الناس الذين صنعوها، وفي جداتنا اللواتي امتلكن قدرة عجيبة على شدّنا إلى رواياتهن، وفي طفولتنا التي كانت تصدق ما تسمع، وتخاف مما تتخيل، ثم تكبر لتكتشف أن الخيال كان أجمل من الحقيقة أحيانًا.
لا أدري اليوم، وأنا أستعيد حكايات جدتي، كم كان في قصة طيلان من حقيقة، وكم أضافت إليها مخيلة الناس، ولا أملك دليلًا على شيء مما رُوي عن ظهوره. لكنني أعرف أن للحكاية سحرًا لا يفقده الزمن، وأن بعض القصص تظل عزيزة على القلب، لا لأننا نؤمن بكل تفاصيلها، بل لأنها تعيد إلينا شيئًا من طفولتنا، ومن دفء بيوتنا القديمة، ومن وجوه أهلنا الذين رحلوا وتركوا لنا ذاكرة لا تُقدّر بثمن.
رحم الله جدتي، ورحم أيام سوم القديمة،
بكل ما فيها من بساطة ودهشة وحكايات.
أما طيلان، الوليّ الذي صار جنيًّا، فما زال يسكن في زاوية من ذاكرتي.. لا يخيفني اليوم كما كان يفعل في طفولتي، لكنه كلما مرّ بخاطري يعيدني إلى تلك الرمانة الكبيرة، وإلى حاكورة عمي عيسى العبد، وإلى طفل صغير كان يهرب من المكان قبل غروب الشمس، خشية أن يلتقي صاحب الجبّة الخضراء!
وهكذا، قد تختفي الأماكن وتتبدل معالم القرى، لكن الحكايات التي ولدت فيها تظل قادرة على إعادة الزمن إلى الوراء، ولو للحظات.
فبعض الموروث الشعبي ليس مجرد قصص تُروى، بل ذاكرة وطن صغيرة، تحفظ ملامح الناس والأماكن، وتمنح الماضي حياة أخرى في وجدان الأجيال.

* ناشر ورئيس هيئة تحرير وكالة "الرقيب الدولي" الإخبارية.

أخبار ذات صلة

أخبار من ذات القسم

التعليقات

اكتب تعليقك وسيُنشر بعد مراجعة هيئة التحرير.

0/800

جاري تحميل التعليقات...