الزميل مُعين المراشده يكتب: الأردن في مواجهة الإرهاب.. سيادة القانون صخرة تتحطم عليها أوهام التطرف
ليس الإرهاب جريمة تستهدف حياة الأبرياء فحسب، وإنما اعتداء على الدولة ومؤسساتها وقيمها، ومحاولة لضرب الثقة بين المواطن ووطنه، وزعزعة الاستقرار الذي يشكّل أساس الحياة الكريمة. وفي الأردن، الذي واجه تحديات أمنية وفكرية عديدة، بقيت الدولة ثابتة في م
بقلم: مُعين المراشده - ناشر ورئيس هيئة تحرير وكالة "الرقيب الدولي" الإخبارية
ليس الإرهاب جريمة تستهدف حياة الأبرياء فحسب، وإنما اعتداء على الدولة ومؤسساتها وقيمها، ومحاولة لضرب الثقة بين المواطن ووطنه، وزعزعة الاستقرار الذي يشكّل أساس الحياة الكريمة. وفي الأردن، الذي واجه تحديات أمنية وفكرية عديدة، بقيت الدولة ثابتة في موقفها، متماسكة بقيادتها ومؤسساتها وأبنائها، ومؤمنة بأن سيادة القانون هي الحصن الذي يحمي المجتمع ويصون أمنه واستقراره.
لقد أكدت الأعمال الإرهابية التي شهدتها المملكة، وفي مقدمتها العمل الإرهابي في منطقة حمود بمحافظة الكرك، والعمل الإرهابي في العاصمة عمّان الذي أدى إلى استشهاد أحد مرتبات الأمن العام، أن الفكر المتطرف لا يحمل مشروعًا للحياة والبناء، وإنما يقوم على نشر الخوف والدمار، واستهداف الإنسان ومقدرات الوطن، والاعتداء على القيم التي تجمع الأردنيين تحت راية واحدة.
وأمام هذه الأعمال الإجرامية، لا بد من التأكيد أن الأردن ليس ساحة مفتوحة لأصحاب الفكر الظلامي، وأن دماء الشهداء وتضحيات نشامى القوات المسلحة والأجهزة الأمنية ستبقى حاضرة في وجدان الأردنيين، شاهدة على حجم المسؤولية التي تتحملها مؤسسات الدولة في حماية الوطن والمواطن، وعلى صلابة الإرادة الوطنية في مواجهة كل من يحاول المساس بأمن المملكة.
لم يترك المشرّع الأردني مفهوم العمل الإرهابي غامضًا أو مفتوحًا للتأويل، فقد عالج قانون منع الإرهاب هذه الجرائم، ووضع إطارًا قانونيًا يحدد طبيعتها وصورها، إلى جانب الأحكام الواردة في قانون العقوبات والتشريعات ذات الصلة.
وتنص المادة الثانية من قانون منع الإرهاب على أن العمل الإرهابي هو:
«كل عمل مقصود أو التهديد به أو الامتناع عنه أياً كانت بواعثه وأغراضه أو وسائله يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي من شأنه تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر أو إحداث فتنة إذا كان من شأن ذلك الإخلال بالنظام العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم أو تعريض حياتهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو المرافق والأملاك العامة أو الأملاك الخاصة أو المرافق الدولية أو البعثات الدبلوماسية أو احتلال أي منها أو الاستيلاء عليها أو تعريض الموارد الوطنية أو الاقتصادية للخطر أو ارغام سلطة شرعية أو منظمة دولية أو إقليمية على القيام بأي عمل أو الامتناع عنه أو تعطيل تطبيق الدستور أو القوانين أو الأنظمة».
إن هذا التعريف يحمل دلالة قانونية واضحة؛ فالعمل الإرهابي لا يُقاس بالشعارات التي يرفعها مرتكبوه، ولا بالمبررات التي يحاولون تسويقها، وإنما بطبيعة الأفعال ومقاصدها وآثارها وفق أحكام القانون. فلا يمكن لفكر متطرف أن يمنح الجريمة شرعية، ولا يمكن لأي خطاب تحريضي أن يحوّل الاعتداء على حياة الناس وأمنهم إلى موقف مقبول أو عمل مشروع.
كما جاءت المادة الثالثة من القانون لتحدد مجموعة من الأفعال التي تعتبر في حكم الأعمال الإرهابية المحظورة، ومن بينها تقديم الأموال أو جمعها أو تدبيرها بقصد استخدامها في ارتكاب عمل إرهابي أو تمويل الإرهابيين، والالتحاق بالجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية أو محاولة الالتحاق بها، وتجنيد الأشخاص أو تدريبهم لهذه الغاية، وتأسيس جمعيات أو الانتساب إليها بقصد ارتكاب أعمال إرهابية.
وامتدت أحكام هذه المادة إلى استخدام أنظمة المعلومات والشبكات الإلكترونية ووسائل النشر والإعلام في تسهيل الأعمال الإرهابية أو دعم التنظيمات التي تمارسها أو الترويج لأفكارها أو تمويلها، فضلًا عن حيازة المواد الخطرة أو تصنيعها أو نقلها أو التعامل بها بقصد استخدامها في أعمال إرهابية، وغيرها من الأفعال التي حددها النص القانوني.
وهنا تبرز رسالة لا بد أن تصل بوضوح إلى كل من يظن أن التستر خلف شاشة هاتف، أو نشر خطاب تحريضي، أو تقديم دعم مالي أو لوجستي، يمكن أن يبعده عن المساءلة: إن الفضاء الإلكتروني ليس خارج نطاق القانون، وإن صور الدعم والتحريض والتمويل والتجنيد تخضع للمساءلة وفق التشريعات النافذة، ولا تمنحها الوسائل الحديثة حصانة من المحاسبة.
إن الرسالة الوطنية والقانونية إلى أصحاب الفكر المتطرف واضحة وحاسمة: لا مكان في الأردن لمن يتخذ من العنف وسيلة، أو من التكفير والتحريض منهجًا، أو من استهداف الأبرياء طريقًا لتحقيق أهداف إجرامية وأوهام ظلامية.
الأردن دولة مؤسسات وقانون، وشعبه يعرف قيمة وطنه، ويقف خلف قيادته الهاشمية ومؤسساته الدستورية والأمنية، ولن يسمح لأصحاب الفكر الظلامي بالعبث بأمنه أو تهديد نسيجه الاجتماعي. فالوطن ليس ساحة لتجارب الجماعات المتطرفة، وأمن المواطنين ليس مادة للمساومة، وتضحيات الشهداء ليست ذكرى عابرة.
ومن يعتقد أن بث الخوف بين الأردنيين أو استهداف رجال الأمن أو العبث بالممتلكات العامة والخاصة يمكن أن يضعف الدولة، فهو واهم؛ لأن قوة الأردن لا تقوم على أجهزته ومؤسساته وحدها، وإنما تستند كذلك إلى وعي شعبه وتماسكه، وإلى الثقة المتبادلة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
إن مواجهة الإرهاب ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، مع تقديرنا الكبير للدور الذي تقوم به هذه الأجهزة في حماية الأرواح وصون الاستقرار، وإنما هي مسؤولية وطنية تتطلب وعيًا مجتمعيًا، ورفضًا صريحًا للتطرف، وعدم التساهل مع أي سلوك أو خطاب يهدد أمن المجتمع.
ومن أبرز الجوانب التي تستحق الوقوف عندها في قانون منع الإرهاب ما نصت عليه المادة الخامسة، التي أرست واجبًا قانونيًا واضحًا يتعلق بالإبلاغ عن المخططات الإرهابية والمعلومات المرتبطة بالنشاط الإرهابي.
إذ تنص المادة على ما يلي:
«على الرغم مما ورد في اي تشريع اخر على كل شخص علم بوجود مخطط ارهابي او اطلع على معلومات ذات صلة بنشاط ارهابي ان يقوم بابلاغ المدعي العام او الاجهزة الامنية داخل المملكة او ضد مواطنيها او مصالحها في الخارج».
هذا النص لا يترك واجب الإبلاغ في دائرة الاختيار الشخصي، وإنما يقرر التزامًا قانونيًا على كل من علم بوجود مخطط إرهابي أو اطلع على معلومات ذات صلة بنشاط إرهابي، بأن يبادر إلى إبلاغ المدعي العام أو الأجهزة الأمنية المختصة.
وتكمن أهمية هذا الالتزام في أن المعلومة، مهما بدت محدودة أو جزئية، قد تكون ذات قيمة كبيرة لدى الجهات المختصة، وقد تسهم في كشف مخطط إجرامي أو منع اعتداء قبل وقوعه، وحماية أرواح بريئة كان من الممكن أن تكون عرضة للخطر.
ومن هنا، فإن الصمت أمام معلومات جدية تتعلق بمخطط إرهابي ليس موقفًا ينبغي التعامل معه باستخفاف؛ فالقانون وضع واجب الإبلاغ لحماية المجتمع، والمواطنة الحقيقية تقتضي أن يكون الإنسان شريكًا في صون أمن وطنه، من خلال إيصال ما يتوافر لديه من معلومات إلى الجهات المخولة قانونًا.
ومن المهم التأكيد أن دور المواطن ينتهي عند الإبلاغ وإيصال المعلومات، ولا يُطلب منه أن يتحول إلى محقق أو أن يواجه أشخاصًا أو يجمع الأدلة بنفسه أو يعرّض حياته للخطر. فالتحقق والتحقيق وجمع الأدلة من اختصاص الجهات المعنية، وهي صاحبة الصلاحية في التعامل مع المعلومات وفق الأصول القانونية.
كما أن الإبلاغ المسؤول يختلف عن تقديم معلومات كاذبة بقصد التضليل أو الإضرار بالآخرين؛ فالمطلوب هو نقل ما يعرفه الشخص بحسن نية ودون اختلاق أو مبالغة، وترك التقدير والتحقق للجهات المختصة، مع مراعاة أن المسؤولية عن البلاغ الكاذب المتعمد تخضع للأحكام القانونية ذات الصلة.
عندما نستحضر العمل الإرهابي في منطقة حمود بمحافظة الكرك، والعمل الإرهابي في العاصمة عمّان الذي أدى إلى استشهاد أحد مرتبات الأمن العام، فإننا نستحضر محطات مؤلمة تؤكد أن مواجهة الإرهاب مسؤولية مستمرة، وأن حماية الوطن تتطلب يقظة مؤسسية ومجتمعية دائمة.
إن شهداء الوطن من مرتبات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لم يكونوا أرقامًا في سجلات التضحيات، بل كانوا أبناء هذا الوطن الذين أدوا واجبهم بشرف وإخلاص، وقدموا حياتهم دفاعًا عن أمن الأردنيين واستقرارهم. وستبقى تضحياتهم أمانة في أعناقنا، ودافعًا لتعزيز الوعي والالتزام بالقانون والوقوف صفًا واحدًا في وجه كل فكر يسعى إلى بث الفرقة والكراهية والعنف.
ولا يجوز أن تتحول هذه التضحيات إلى ذكريات نستعيدها في المناسبات فحسب؛ وإنما ينبغي أن تكون حافزًا دائمًا لترسيخ ثقافة الوعي، وتعزيز الثقة بالمؤسسات الأمنية والقضائية، والتمسك بسيادة القانون، ورفض كل أشكال التطرف والإرهاب.
إن الأردن، بقيادته الهاشمية ومؤسساته الدستورية وأجهزته الأمنية وشعبه الواعي، يمتلك من الإرادة والقدرة ما يمكّنه من مواجهة التحديات، لكن الحفاظ على هذه المنجزات يتطلب من الجميع إدراك أن الأمن ليس شعارًا، وإنما مسؤولية وسلوك وموقف.
على الأسرة أن تحصّن أبناءها بالفكر الواعي والقيم الوطنية والإنسانية، وعلى المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية أن تواصل دورها في مواجهة خطاب الكراهية والتطرف، وعلى كل مواطن أن يدرك أن حماية الوطن تبدأ من احترام القانون، ورفض العنف، والإبلاغ عن المعلومات الجدية التي قد تحول دون وقوع جريمة.
أما أصحاب الفكر الإرهابي، فعليهم أن يدركوا أن الدولة الأردنية لا تتهاون مع الاعتداء على أمنها أو حياة مواطنيها، وأن القانون هو المرجعية في مواجهة هذه الأفعال، وأن أي شخص تثبت مسؤوليته عن جريمة إرهابية سيواجه الإجراءات القانونية والقضائية المقررة، مع ضمانات العدالة وقرينة البراءة وحق الدفاع.
إن الأردن الذي واجه الإرهاب بثبات، ووقف أبناؤه في خندق واحد دفاعًا عن أرضه وكرامته، سيبقى وطنًا عصيًا على التطرف، قويًا بوحدته، راسخًا بمؤسساته، ومتمسكًا بدولة القانون.
فأمن الأردن خط أحمر، ودماء شهدائه أمانة، وسيادة القانون عهد لا يتغير. ومن يراهن على إضعاف هذا الوطن عبر الإرهاب أو التطرف، عليه أن يدرك أن الأردنيين أكثر وعيًا وتماسكًا وإصرارًا على حماية وطنهم، وأن الدولة قادرة على صون أمنها ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الاعتداء عليه، وفق أحكام القانون.
أخبار ذات صلة

الزميل مُعين المراشده يكتب: السعودية والأردن.. أخوّة راسخة لا تغيّرها الأيام

الزميل مُعين المراشده يكتب: كرة القدم تكشف الحقيقة… فرحُ الأردني ممكنٌ حين يجد سببًا يستحق.

الزميل مُعين المراشده يكتب: الكلاب الضالة.. ظاهرة تؤرّق الأردنيين وتبحث عن حلول

الزميل مُعين المراشده يكتب: سابقة قضائية تُعيد الاعتبار للعدالة الأكاديمية في الجامعات الأردنية

الزميل مُعين المراشده يكتب: في حضرة المجد والوفاء.. الجيش الأردني وراية الثورة

الزميل مُعين المراشده يكتب: طيلان.. حكاية وليٍّ صار جنيًّا في ذاكرة قريتي سوم..
أخبار من ذات القسم

ناشر "الرقيب الدولي" مُعين المراشده ونجله الدكتور زيد المراشده يدينان حادثة الكرك ويؤكدان دعمهما لجلالة الملك والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية

«الرقيب الدولي» تطلق نسختها الرقمية الجديدة.. نقلة تقنية تعزز حضورها في فضاء الإعلام الإلكتروني

مرافعة ملكية أمام العالم.. الملك عبدالله الثاني يضع المجتمع الدولي أمام مرآة الحقيقة

د. زيد مُعين المراشده: خطاب الملك يعكس ثبات الموقف الأردني

إربد في مواجهة الشائعات.. الأمن المجتمعي مسؤولية مشتركة

إربد تستبق الشتاء.. جاهزية مبكرة لحماية المواطنين وممتلكاتهم
التعليقات
جاري تحميل التعليقات...
